أحمد بن محمد القسطلاني
382
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
أي عليه ( فردّ عليه ) الخضر السلام ( فقال ) : أي الخضر ( وأنى ) وكيف ( بأرضك السلام ) وفي رواية وهل بأرضي من سلام قال الخضر : من أنت ؟ ( قال أنا موسى . قال ) الخضر : ( موسى بني إسرائيل ؟ قال : نعم ) موسى بني إسرائيل قال ما شأنك قال ( أتيتك لتعلمني مما علمت رشدًا ) مفعول ثان لتعلمني ولم يرد أن يعلمه شيئًا من أمر الدين إذ الأنبياء لا يجعلون ما يتعلق بدينهم الذي تعبدت به أمتهم ( قال يا موسى إني على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه ) جميعه ( وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه ) جميعه . وهذا التقدير واجب دافع لمن استدلّ بقوله : إني على علم الخ بأن نبينا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اختص بجمع الشريعة ، والحقيقة ولم يكن لغيره من الأنبياء إلا أحدهما لأنه يلزم منه خلو بعض أولي العزم غير نبينا من الحقيقة وإخلاء الخضر عن علم الشريعة ولا يخفى ما فيه ، ويأتي إن شاء الله تعالى مزيد لذلك في سورة الكهف من التفسير ، ولا ريب أن العالم بالعلم الخاص لا يكون أعلم ممن له العلم العام وهو حكم الشرائع والتكاليف فإن ضرورة الناس تدعوهم إلى ذلك . ( قال ) موسى للخضر ( هل أتبعك ؟ قال : إنك لن تستطيع معي صبرًا ) لأن موسى لا يصبر على ترك الإنكار إذا رأى ما يخالف الشرع ( وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرًا ) ؟ أي : وكيف تصبر وأنت نبي على ما أتولى من أمور ظواهرها مناكير وبواطنها لم يحط بها خبرك . وخبرًا تمييز أو مصدر لأن لم تحط به بمعنى لم تخبره ( إلى قوله أمرًا ) أي ولا أعصى لك أمرًا وفي اليونينية إمرًا بكسر الهمزة وكانت مفتوحة فكشطها مصححًا عليها ( فانطلقا ) موسى والخضر ( يمشيان على ساحل البحر ) ومعهما يوشع ( فمرّت بهما سفينة كلموهم ) بغير فاء ( أن يحملوهم فعرفوا ) أي أصحاب السفينة ( الخضر فحملوه ) وموسى وفتاه ( بغير نول ) بفتح النون أجرة ( فلما ركبا ) موسى والخضر ( في السفينة جاء عصفور ) بضم العين وحكي فتحها " فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة أو نقرتين " قال له ( الخضر : يا موسى ما نقص علمي وعلمك من علم الله ) أي من معلومه ( إلا مثل ما نقص هذا العصفور بمنقاره من البحر ) ولفظ النقص هنا ليس على ظاهره وإنما معناه إن علمي وعلمك بالنسبة إلى علم الله تعالى كنسبة ما نقره هذا العصفور إلى ماء البحر فهو على التقريب إلى الأفهام ( إذ أخذ ) الخضر ( الفأس ) بالهمز ( فنزع لوحًا ) من ألواح السفينة ( فلم ) وفي الفرع كأصله قال : فلم ( يفجأ موسى ) عليه السلام بعد أن صارت السفينة في لجة البحر ( إلا وقد قلع ) الخضر ( لوحًا ) من السفينة ( بالقدوم ) بفتح القاف وتشديد الدال في الفرع وأصله وضبطه الصغاني بالفتح والتخفيف فقال له ( موسى ) : منكرًا عليه بلسان الشرع ( ما صنعت ) ؟ هؤلاء ( قوم حملونا ) في سفينتهم ( بغير نول ) أجرة ( عمدت ) بفتح الميم ( إلى سفينتهم فحرقتها لتغرق أهلها ) فإن خرقها سبب لدخول الماء فيها المفضي إلى غرق أهلها وقال لتغرق أهلها ولم يقل لتغرقنا . قال السفاقسي : فنسي نفسه واشتغل بغيره في حالة يقول فيها المرء : نفسي نفسي ، واللام في لتغرق للعلة أو للصيرورة ( لقد جئت شيئًا إمرًا ) عظيمًا . ( قال ) الخضر مذكرًا لموسى بما سبق من الشرط ( ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرًا ) استفهام على سبيل الإنكار ( قال ) موسى للخضر : ( لا تؤاخذني بما نسيت ) يعني وصيته بأن لا يعترض عليه وهو اعتذار بالنسيان أو أراد بالنسيان الترك أي لا تؤاخذني بما تركت ( ولا ترهقني ) أي لا تغشني ( من أمري عسرًا ) مفعول ثان لترهق ( فكانت الأولى ) وفي الكهف قال أي أبي ، وقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " وكانت الأولى " ( من موسى نسيانًا فلما خرجا ) أي موسى والخضر ( من البحر مروا ) موسى والخضر ويوشع ( بغلام ) وضيء الوجه اسمه جيسون بالجيم المفتوحة والتحتية الساكنة والسين المهملة المضمومة وبعد الواو نون ( يلعب مع الصبيان فأخذ الخضر برأسه فقلعه بيده وهكذا وأومأ سفيان ) بن عيينة ( بأطراف أصابعه ) كأنه يقطف بها شيئًا